صوت الظل قصة مؤثرة تنقلك إلى عالم مليء بالسكينة والتأمل

صوت الظل

صوت الظل

 بعد خلافه مع والدته وزوجها بسبب إهمالهم لأخيه الصغير وذهابهم خارج المنزل وتركه، قرر بلال ان يقضي إجازة نهاية الاسبوع بعيداً عن البيت، أخبر أصدقائه بأن يستعدون لرحلة يستمتعون بها جميعاً بعيداً عن عائلاتهم ، وقال لهم : هناك منزلٌ مُطلٌ على البحر مخصص للرحلات، تمتلكه عائلتي كنا نذهب إليه في العطلات، سنقضي فيه يومي الجمعة والسبت، لكن ليس لدي خريطة لعنوان المكان، لذلك سأذهب إليه قبلكم وعند وصولي إلى هناك سأرسل لكم خريطة الموقع عبر الهاتف النقال.

وفي صباح الجمعة ، ذهب بلال لمنزل الرحلات ، المكان بعيداً عن المدينة وعند وصوله إلى المنزل ادرك ان شبكة الاتصالات فيه ضعيفة ، ثم بدأ يتفقد المكان ليرى ان كان هناك نقصٌ في ادوات الرحلة كالغاز والماء وغيرها ، لكي يخبر اصدقائه ان يأتوا بها معهم عندنا يأتون لاحقاً،
ذهب بلال لمخزن المنزل ، على الأرجح توجد به أغلب الادوات التي يحتاجون إليها، ولان الباب لم يُفتح منذ مدة طويلة، تمكن بلال من فتحه بصعوبة ، ثم دخل للمخزن ، و في اثناء محاولته إشعال مصباح الضوء ، أُغلق الباب ! وكان المفتاح في الخارج.


حاول بلال فتح الباب بشتى الوسائل لكن دون جدوى!
المكان مُظلم ، لأن المصباح الذي كان يحاول اشعاله إتضح أنه لا يعمل ، وتوجد نافذة واحدة صغيرة في الأعلى ، لا يستطيع بلال الوصول إليها ، وشبكة الهاتف ضعيفة ، صحيح الهاتف! تذكر بلال الهاتف واخذ يحاول الاتصال بأصدقائه واهله ولكن الشبكة خارج نطاق الخدمة، استمر بالمحاولات إلى أن تبقى ١٠٪؜ من شحن بطارية الجهاز، لذلك قرر ان يتوقف عن المحاولة خشية ان يُغلق عليه الجهاز.


جلس بلال في مكانه وهو مدركٌ أن كل الوسائل التي لديه للخروج من هذا المكان لا تعمل ، وأنه من الصعب أن يأتي أحدٌ من الخارج ليساعده ، فالمكان معزولٌ وبعيداً عن المدينة ، بالتالي لن يسمعه أحدٌ إذا نادى ، و اصدقائه لا يعلمون أين موقع المنزل الذي هو فيه ، واهله لا يعلمون إلى أين ذهب، وبعد مرور عدة دقائق وهو في صمتٍ وسكون ، لاحظ بلال أن هناك شيٌ غريبٌ يتحرك في الجدار الذي أمامه ، ركز نظره فيه ، فوجد صورةً متحركةً لطفلٍ صغير ، يجلس وحيداً في غرفته وهو يبكي ، و بدأ يتذكر بلال ذلك اليوم في طفولته وكأنه يشاهده أمامه في ذلك الجدار.


كان بلال يبلغ من العمر ثمان سنوات ، وكان يلعب بألعابه في وقتٍ متأخر من الليل ، دخل عليه زوج والدته وصرخ عليه قائلًا : لماذا لم تنم إلى الآن يا بلال ؟ إن هذا الوقت المتأخر من الليل مخصصٌ للنوم وليس للعب ، و لا يهمني ان كنت تناولت العشاء أم لا ولكن إذهب للنوم الآن ، وإن رأيتك تلعب مرة أُخرى في وقت كهذا ، سوف أمنعك من اللعب نهائيًا! ثم ذهب بلال لغرفته يبكي على سريره وحيداً، ويقول : لماذا تركتني يا أبي ، إني احتاج إليك بشدة.


انتهت ذكرى بلال لذلك الموقف عند هذا الحد ، ولكن الغريب في الامر أن المشهد على الجدار مازال مستمراً ولم ينتهي! نظر بلال الى الجدار عن كثب وهو مندهش ، وإذا به يرى أن الطفل قد نام وهو يبكي ، وبعد أن نام دخل عليه مرةً أُخرى زوج والدته! .. ماذا يُريد ذلك الشرير من بلال الصغير مرةً أُخرى بعد ان هدده وجعله يبكي ؟ .. اقترب زوج الأم من الطفل وقال له بصوتٍ هادئ ، بعد ان تأكد ان الطفل قد نام : انا آسفٌ يا صغيري ، لو تعلم كم أُحبك ، وكم اشعر بالأسى على تعاملي معك ، ولكن لابد عليّ أن أُعاملك بهذه القسوة لكي تبقى مُتذكراً ومُحباً ومُخلصاً فقط لوالدك الذي رحل، ولا تُحبني وتتعلق بي وتنساه.


شهق بلال مذهولاً مما رأى ومما سمع! وقال : ماذا ؟! هل يُعقل أنه قال لي ذلك عندما كنت طفلاً وأنا لا اتذكر ؟ .. أيضاً هل يُعقل انه يُحبُني بالفعل ويفعل ذلك فقط لكي لا أُحبه وانسى والدي ؟ هذا أمر مستحيل .. ووالدتي كانت تراه يعاملني بقسوة ولا تحرك ساكناً! .. أوه والدتي! هل كانت شريكة معه في تلك الخطة! ثم بكى كثيراً .. وقال : يبدو ذلك .. يبدو أنه اقنعها بتلك الخطة وهي وافقت إخلاصاً لوالدي ، وحفاظًا على بقاء ذكراه ومحبته دائماً في قلبي دائماً.


وسكت قليلاً ثم قال : رغم أنني عانيت طوال حياتي من قسوة ذلك الرجل ومن سكوت والدتي على تصرفاته ، إلا أن خطته قد نجحت، لم أُحبه ولم استبدله قط بوالدي ، ودائماً ما استرجع ذكرياتي الجميلة مع والدي ، حتى أنني أضع صُورهُ في كُل مكان في غرفتي واحملها معي دائماً أينما ذهبت ، واستخراج صورةً له مع والده من جيبه ونظر إليها وهو متأثرًا بشدة من معرفته بهذه الحقائق عن والدته وزوجها.


وعلى الجانب الآخر ، اجتمع اصدقاء بلال من أجل الذهاب للرحلة المتفق عليها معه ، ولكنه لم يرسل إليهم العنوان بعد ، وتأخر الوقت كثيراً ، أصبحنا في مساء يوم الجمعة وكان من المفترض أن يذهبوا في الصباح! وبعد محاولاتهم للاتصال به دون جدوى، قال أحدهم : ماذا حدث لبلال ؟ لقد وعدنا أنه سوف يرسل إلينا الموقع باكراً حين يصل إلى العنوان ، أخشى أن يكون قد حدث له مكروه، ما رأيكم أن نتصل بأخيه لنطمئن عليه ؟ اجابه الجميع : حسناً.


اتصلوا بأخيه الأصغر باسل ليسألوه إن كان بلال عنده في البيت ؟ رد باسل : غريب! كنت أظنه معكم ، لأنه كعادته عندما ينزعج من البيت يذهب معكم في عطلة نهاية الأسبوع دون أن يُخبرنا ، ولكن أين ذهب هذه المرة بمفرده ؟ أخبره صديق بلال أنه قال لهم عن منزل العطلات المُطل على البحر ، وأنه سوف يذهب إلى هناك قبلهم ليتأكد من جاهزية المكان ومن ثم سوف يُرسل لهم العنوان ليلحقوا به ولكنه لم يفعل! وهاتفه لا يعمل.


أدرك باسل وأصدقاء بلال أن هناك خطبٌ ما ، وأن عليهم أن يذهبوا سريعاً إلى ذلك المنزل ، قال باسل : اعتقد أن والدتي لديها نُسخة من مُفتاح ذلك المنزل سوف أذهب إليها واحضره ، ثم نذهب جميعاً لنتفقد بلال . قال صديق بلال : حسناً يا باسل ولكن لا تخبر والدتك أننا فقدنا بلال لكي لا تقلق . باسل : لن أُخبرها.


والدة بلال تقول لابنها الآخر باسل بعد أن سألها عن المفتاح : لا أعلم أين وضعته بالضبط ، ولكن لدى بلال النسخة الأصلية لمفتاح ذلك المنزل، اسأله عنها .. ارتبك باسل وقال : آآآ لقد سألته بالفعل ولكن يبدو أنه اضعها ، لذلك طلب مني أن اسألك إذا كانت لديك نسخة أُخرى للمفتاح ، اجابته والدته وقالت : حسناً ، اعطني بضع دقائق لأبحث عنه.


وبعد مرور أكثر من ساعة وجدت والدة بلال وباسل المفتاح واعطته لباسل ، الذي ذهب مُسرعاً لاصدقاء أخيه لكي يذهبوا معه للبحث عن بلال، لقد اقتربنا من منتصف الليل ، الوقت أصبح متأخراً وبلال مازال عالقاً وحيداً في المخزن! لكن الغريب أن بلال لم يهتم كثيراً بحقيقة أنه عالقٌ في مكانٍ معزول منذ ساعاتٍ طويلة! بل كان يُشاهد ذكرياته أمامه ويتعرف من جديد على حقيقة تلك الأحداث ، خاصة بعد أن علم السبب الذي كان يجعل زوج والدته يعامله بقسوة وسبب سكوت والدته عن ذلك.


أخذ بلال يفكر ويقول : إن كان هذا صحيحاً ، فلماذا والدتي وزوجها يعاملان أخي الصغير باسل بإهمال ؟ رغم أنه ليس مثلي من أب آخر ، إنما ابنيهما هما الاثنين! كانا يذهبان معاً ويتركانه في المنزل مع إنه كان طفلاً صغيراً و بحاجة إليهما، ومؤخراً بعد أن كبر باسل وأصبح في عمر الخامسة عشراً أصبحوا يتركونه لساعاتٍ طويلة بمفرده في المنزل! و فكر قليلاً ثم قال : حتى وإن كبر مازال وهو في هذا العمر بحاجة إليهما، ثم بدأ يسترجع ذكرياته أمامه على جدار المخزن، ذكرياته عندما كان يرى والدته وزوجها يخرجان وحدهما من المنزل، مرة يقولان أنهما ذاهبان لزيارة أحد أقاربهما، ومرةً يقولان أنهما ذاهبان لحفل أحد أصدقائهما وهكذا في كل مرةٍ عذراً جديداً ، ولكن انتبه بلال لشيءٍ يتكرر في كل مرة يخرجان فيها!


إنها حقيبة والدته! انتبه بلال أنه في كل مرة تخرج فيها والدته مع زوجها تأخذ نفس الحقيبة منذُ سنوات ، وأخذ يفكر بهذه الحقيبة ويتساءل إذا كان قد رأى ما بداخلها من قبل ؟ نعم تذكر بلال أنه في يومٍ ما بعد أن عادت والدته من الخارج وضعت حقيبتها على طاولة الطعام ونسيتها ، وعندما جلس بلال ليأكل وجدها مفتوحة ، نظر سريعاً دون تعمداً لما بداخلها واغلقها واعادها إلى والدته، وتذكر بأنها سألته كثيراً إن كان قد رأى ما بداخلها وكان يُجيب عليها بالنفي في كل مرة، قال بلال وهو يفكر : يبدو أن هناك شيئًا تخفيه والدتي بداخل هذه الحقيبة ، وهو السبب وراء إهمالها لأخي ، ليتني اتذكر ما الذي رأيته بداخلها! وأعاد ذاكرته إلى لحظة جلوسه على طاولة الطعام ونظرته السريعة داخل الحقيبة محاولاً أن يتذكر ما رأى فيها.


في هذه الاثناء اقترب كثيراً أخيه باسل وأصدقائه من المنزل الذي علق بداخله بلال ، ولكنهم توقفوا عند مفرق طُرق ، هل يذهبون يميناً او يساراً ؟ ونظروا جميعاً إلى باسل ينتظرون منه اجابة ، فقال : لا أعلم، لم أذهب أبداً مع عائلتي إلى ذلك المنزل في الليل ، لو كُنا في النهار لكنت استطعت أن اتعرف على الطريق الصحيح ، قال أحد اصدقاء بلال : حسناً يا رفاق ، لو ذهبنا إلى أحد الطريقين بشكلٍ عشوائي واتضح أنه طريقٌ خاطئ قد تصعُب علينا العودة إلى الاتجاه الصحيح ونتأخر كثيراً على بلال ، ليس لدينا حلٌ آخر ، سنتوقف هنا وننتظر حتى تشرق الشمس ، ونرجوا أن بلال في أثناء ذلك يكون بخير.


بلال الذي يحاول جاهداً أن يتذكر ماذا رأى في حقيبة والدته التي تحملها معها مُنذ سنوات في كل مرة تخرج فيها مع زوجها بشكل غريب ويتركان مسؤولياتهما خلفهما ، يبدو أن محاولاته في طريقها للنجاح ، لانه يشك في أنه رأى داخل الحقيبة عُلب لأدوية واوراقٌ مثل أوراق مراجعات المستشفيات! استغرب بلال كثيراً مما تذكره وكان يتسائل عن ماهية العلاقة بين الأدوية وأوراق مواعيد مراجعات المستشفى الموجودة داخل حقيبة والدته والتي كانت حريصاً على أن تتأكد بأنه لم يراها، وبين خروجها المستمر مع زوجها وتركها لمنزلها وطفلها بدون أسباب منطقية ؟ 


وفجأة توصل بلال للإجابة على سؤاله وقال : قد يكون أحدهما مريضٌ ويضطران للخروج دائماً لمراجعة الطبيب! ولكن من منهما المريض؟ إن كان زوج والدتي هو المريض فإني بعد أن عرفت بحقيقة مشاعره تجاهي وأسباب تعامله القاسي معي، أتمنى له الشفاء ولكني غير مهتماً كثيراً لأمره ، المشكلة إن كانت والدتي هي المريضة ، فإني لن استطيع تحمل ذلك خاصة أنني سبق وفقدت والدي ، لا أريد أن أفقدها هي الأخرى، ومع هذه الأفكار بدأت ذاكرة بلال بالعمل مجددًا ، و بدأ يتذكر كيف كانت حالة والدته الصحية، و يتذكر أنها كانت تتعب كثيراً ولا تستطيع المشي لمسافات طويلة وتتجنب تناول بعض الأطعمة على العكس من زوجها الذي كان يمشي بشكل طبيعي ويأكل كل ما يريد ، حينها تأكد بلال أن والدته هي التي تعاني من المرض.


حين أدرك بلال أن والدته تعاني من مرض وقد يكون ذلك المرض خطيراً بدأ يشعر بالخوف والقلق الشديد عليها ، وقام مرةً أُخرى يحاول الخروج من المخزن الذي هو عالقٌ طوال اليوم فيه ويجرب الاتصال بالهاتف لعله يعمل الآن ، و بدأ يلوم نفسه على أنه لم ينتبه لما يحصل مع والدته بل كان مشغولاً بلومها و معاتبتها هي وزوجها على خروجهما دون أن يحاول البحث عن سبب تصرفهم هذا، ولكن دون فائدة ، لم يُفتح الباب ولم تعمل شبكة الهاتف.

بدأ يغضب بلال من وضعه ، وقام يكسر الأدوات الموجودة في المخزن ويقول بصوتٍ مرتفع : أُريد أن أخرج من هنا ، ما زالت لدي بعض الأمور التي يجب أن أُصلحها ، لا أريد أن أموت هنا، واستمر هكذا إلى تعب من الصراخ والتكسير وجلس بيأس ينتظر مصيره وهو يتنفس بشدة من كثرة التعب .


أما باسل واصدقائه يستعدون لإكمال الطريق ، فقد شرقت الشمس واتضحت الرؤيا لدى باسل وعرف الاتجاه الصحيح الذي يقودهم إلى منزل العطلات الذي علق في مخزنه بلال ، ولكنهم لا يعلمون بذلك بعد ، كل ما يعرفونه أن هناك احتمالٌ كبير أن بلال يتواجد في ذلك المنزل ولكن أين يكون بالضبط داخل المنزل ؟ وما سبب عدم عودته ؟ لا أحد يعلم! وصلوا إلى المنزل ووجدوا سيارة بلال تقف أمامه! الآن هم على يقين أن بلال بالداخل، ولكن ماذا يفعل طوال هذه المدة بمفرده، هل هو بخير أم اصابه مكروه؟ لا أحداً منهم يعلم ولكن تبدوا عليهم علامات القلق والتوتر.


اتفقوا جميعاً على أن ينتشروا داخل المنزل ، ليصلوا سريعاً إلى بلال ، كلٌ منهم يبحث في جهة مختلفة ، اختار باسل أن يبحث في الحديقة الخلفية للمنزل ، حيثُ يوجد المخزن الذي علق فيه بلال! وعندما اقترب باسل من باب المخزن أدرك سريعاً أن أخوه عالقاً بالداخل ، بعد أن رأى مفتاح باب المخزن موضوعاً عليه من الخارج، ركض باسل مسرعاً إلى الباب وهو يحاول أن يفتحه ، وينادي قائلاً : بلال هل تسمعني ؟ هل أنت بخير ؟ أجبني أرجوك .. ولكن بلال لم يُجِيب. والباب أيضاً لم ينفتح.


عاد باسل راكضاً إ  داخل المنزل وقال لأصدقاء أخيه : أنا أعلم أين بلال ، لقد علق في المخزن ، لقد أُغلق عليه الباب ولم يستطع أن يفتحه ، سبق وأن حدث معي ذلك ولكنني كنت مع أبي واستطعنا أن نفتحه بالقوة ونخرج ، ويبدو أن بلال لم يستطيع أن يفتحه بمفرده ، أُريد أن يأتي أحداً منكم معي ليساعدني على فتحه، ثم رجع باسل إلى المخزن ومعه اثنين من اصدقاء بلال وفتحوا الباب بقوة وانفتح معهم ، ولكنهم رأوا بلال بالداخل مستلقياً على الارض!
ماذا حدث له ، هل مازال حياً أم لا ؟ 


دخلوا مسرعين إليه يحاولون إيقاظه ويتأكدون من أنه مازال يتنفس، نعم مازال بلال يتنفس ولكن بصعوبة. أخذوه وأخرجوه إلى الحديقة واحضروا له الماء، وجلس بقربه أخيه باسل وهو بقول له : أرجوك استيقظ ، أنت أخي الوحيد وحياتي لا تساوي شيئاً بدونك، وبعد عدة لحظات استفاق بلال وشرب قليلاً من الماء ثم احتضنه أخوه باسل فرحاً بإستيقاظه سليماً ، قال له بلال : يجب أن نعود بسرعة إلى البيت ، أُريد أن أتحدث مع والدك ، وأيضاً والدتنا تحتاج إلى مساعدتنا.


قال باسل : عن ماذا تتحدث يابلال ؟ قال له بلال : سأشرح لك كل شيئًا في طريق عودتنا، ثم قام ليُسلم على أصدقائه وقال لهم : لولاكم لما عرف أحداً أنني في هذا المنزل ولما استطاع أخي باسل أن يأتي إلى هنا او يفتح باب المخزن بمفرده ، شكراً لكم، ثم عادا الأخوين بلال وباسل إلى بيتهما ، وطلب بلال من والدته أن تأتي هي وزوجها لتجلس معهم ويتحدثون جميعًا.


قال لهم بلال : لم تكن خطتكم لحفظ ذكرياتي ومحبتي لأبي سديدة ، قالت والدته : ماذا تقول يا بلال ؟ وعن أي خطة تتحدث ؟ أكمل بلال واخبرهم بكل الحقائق التي عرفها وقال لزوج والدته : لقد كرهتك بسبب قسوتك عليّ ، كان بإمكانك أن تختار طريقة أخرى لتجعلني احافظ على مشاعري تجاه أبي ، وأيضاً لماذا تظن أنني قد أنساه وهو والدي وعشت معه أول سبع سنوات من حياتي ؟ قال زوج والدته : أنت لا تعلم بحقيقة الأمر كله ، لقد كنت مع والدك قبل أن يموت وقد قال لي كُن بجانب بلال واحرص على أن لا ينساني ، وبعد أن تزوجت والدتك وشعرت بأنك بدأت تُحبني ، خفت أن تتطور هذه المشاعر لديك وتستبدل والدك بي وتنساه ، وكانت هذه هي طريقة الوحيدة التي فكرت بها في ذلك الحين ، والآن وبعد مرور هذه السنوات أشعر بالندم على مافعلته معك وأشعر بأنني خيبت ظن صديقي والدك بي ، لم أكن حكيماً ولم اتصرف بشكل سليم ، ولكنني أُدرك خطئي الآن واعتذر إليك بشدة وأرجوا أن تسامحني وأعدُك بأنني سوف أُعوضك في الأيام القادمة عن كل ماسبق.


رد بلال بعد أن سمع كلام زوج والدته : لم أكن أعلم أنك صديق أبي ، وأنك كنت معه في لحظاته الأخيرة ، لابد أنك تحمل كثيراً من الذكريات معه ، أريد أن اسمع منك كل تلك الذكريات ، ولكن ليس الآن سنتحدث عن ذلك في وقتٍ لاحق ، وأريدك أن تعلم أنني قد سامحتك بمجرد أن عرفت أنك تُحبني وأن نيتك الحقيقية كانت جيدة ومثلما قلت أنك مدرك أنك اخطأت وسوف تتغير في الأيام القادمة . لكن الآن لدي موضوعٌ أهم من ذلك بكثير ، ثم نظر بلال إلى والدته وقال لها وهو يشعر بالحزن: كيف حالُك ؟ هل أنتي بخير ؟ لماذا لم تخبريني بمرضك ؟ إنني لستُ طفلاً لكي لا أتحمل ذلك.


ردت عليه والدته : كيف عرفت يا بلال بذلك ؟ ونظرت إلى زوجها وقالت له: هل أنت من أخبرته بعد أن اتفقنا على أن لا نُخبرهم ؟ لا أحد يعلم سواك، رد بلال سريعاً قبل أن يُجيب زوج والدته: لقد رأيت الحقيبة يا أمي ورأيت ما بداخلها ، لو كنتي أخبرتني لما أزعجتك بلومي لك على تركك لمسؤولياتك بل كنتُ لأساعدك، قالت والدته: أعلم أنك لست طفلاً ولكنني أيضاً أعلم أنك لن تتحمل ذلك مهما ظننت نفسك أنك ستتحمل ، لقد كانت خسارة والدك صعبة عليك وإني أذكر كيف كان حالُك سيءٌ بعدها،  قال زوجها: سوف أُخبرك يا بلال أنت وأخيك باسل بكل شي، لقد أُصيبت والدتكما بمرضٍ بعد ولادتها لك يا باسل وطلب منها الاطباء أن تجري عملية جراحية قد تاخذ إجراءاتها قرابة شهر ، ورفضت والدتكما ذلك لأنها لا تُريد أن تبتعد عنكما مدةً طويلة ، وأختارت أن تاخذ علاجاً آخر إمتد لسنوات طويلة، تُراجع المشفى كل أسبوع مرةً من أجل هذا العلاج ، وكانت زيارتنا الأخيرة للمستشفى من أجل إجراء الفحص الأخير للتأكُد بأن العلاج أثبت مفعوله وأن المرض قد زال.


قال باسل : وماذا كانت النتيجة ؟ نظر والده إلى ساعته وقال له: بعد نصف ساعة ستكون قد ظهرت النتيجة ، أخبرني الطبيب أن الممرضة سوف تتصل بنا لتخبرنا ولا داعي لأن نذهب إلى المستشفى لمعرفته النتيجة، بعد ذلك اجتمعت العائلة أمام الهاتف وهم ينتظرون اتصال الممرضة، رن الهاتف وقام زوج والدة بلال بالرد، ووضع الاتصال على مكبر الصوت، أخبرتهم الممرضة أن النتيجة هي أن والدتهم سليمة ولله الحمد وأن المرض قد زال منها، فرح الجميع بالخبر وقال بلال: سوف أذهب لأُحضر بعض الحلوى لنحتفل سوياً بمناسبة شفاء والدتنا ، ونظر إلى زوج والدته وقال له: و لنحتفل أيضاً ببداية علاقتنا الجديدة.


النهاية.


يمكنك سماع المزيد من القصص الرائعة عبر صفحتنا على اليوتيوب 

Post a Comment

أحدث أقدم