العشبة السحرية
تُحضّر راما ووالدتها لاستقبال جيرانهم،
والدة راما : عجيب .. لم أكن أعلم أن لدينا عطارٌ في حينا! ولم اسمع بإسم هذه العشبة من قبل ، راما يا ابنتي احذري من تناول أي شيءٍ بشكل عشوائي فقط لتنزلين وزنك ، قد تضرين نفسك هكذا، قالت راما : لا عليك يا أمي لن يحدث لي شي ، ألم تقولين لي أنك تريدينني أن اتزوج وأُنجب أطفال ؟ والدة راما : بلى، قلت ذلك. ردت راما: حسناً عندما كنت في الجامعة قالت لي معلمتي إذا نحفت سوف أُصبح أكثر جمالاً ، وإنني بهذا الوزن لن يتقبلني أحد .
ثم حان المساء و بدأت الجارات بالحضور ، ريهام ووالدتها ، و رنا ووالدتها ، وجارتهم رقية أتت بمفردها لأن ليس لديها بنات، وبدأ الحديث الشيّق بين الجارات وبناتهن ، إلى أن حان وقت شرب الشاي ، جاءت راما بعُشبتها ووضعتها في الابريق ، سألتها ريهام : أخبريني يا راما لماذا لا تشربين الشاي معنا ؟ وما هذه العشبة التي تشربينها ؟ ردت راما: هذه عشبة السنودق المميزة نصحني بها عطار الحي، قالت ريهام: هل هي مفيدة للصحة ؟ أجابت راما: نعم مفيدة جداً للصحة، وقال العطار أنها تناسب الجميع ليس فقط من يريدون انزال وزنهم . قالت ريهام : حسناً يا صديقتي راما، لدي فكرة خطرت على بالي الآن، ونظرت ريهام إلى الجميع وقالت لهم: ما رأيكن أن ندعم راما اليوم في خطتها لإنزال وزنها؟ لكي لا تشعر بأنها وحيده ، وأنها محرومةٌ من شُرب الشاي ، ما رأيكن أن نشاركها جميعًا اليوم في شرب هذه العشبة المفيدة بدلاً من الشاي ؟ فهي عشبة طبيعية لن تضُرُنا إن شرِبنا منها مرةً واحدةً، قال الجميع: حسناً سوف نشربها معاها اليوم، واستمرت السهرة بالضحك والاستمتاع بالحديث مع بعضهن البعض إلى أن حدث ما لم يكن يتوقعنه!.
فجأة وفي نفس اللحظة اختفى الجميع ! وتبدو الغرفة كأنها فارغة ولا يوجد بها أحد، قالت راما: ماذا حدث أين أختفى الجميع؟! قالت والدتها: راما ابنتي أين أنتي ؟ إنني لا أراكِ، قالت راما: أنا في نفس مكاني يا أمي لم أتحرك ، ولكنني أيضاً لا أراكِ! قالت ريهام: وأنا أيضاً مكاني لم أتحرك ، وأسمع أصواتكم ولكنني لا أراكم، وهكذا اكتشف الجميع أن شيٌ ما حدث وأخفاهم عن الظهور رغم موجودهم في أماكنهم، لقد أصبحوا جميعهم غير مرئيين!.
بدأوا يفكرون جميعهم ما الذي حدث ؟ قالت رنا : هل هذه نهاية العالم واختفى جميع البشر ؟ قالت والدتها : افتحي الباب وانظري في الخارج هل بالفعل اختفى كل الناس أم نحن فقط ، فتحت رنا الباب ونظرت قليلاً ثم عادت إلى والدتها وبقية الجارات وقالت: لقد وجدت الناس في الخارج طبيعيون و ظاهرون! ولم ينظر إلي أحدٌ منهم وكأنهم لا يرونني، قالت الجارة رقية : هذا يعني أن شيٌ ما حدث لنا نحن فقط ولا أعلم ماهو ، وإني أشعر بالقلق أن تكون هذه المقدمة فقط وما سيحدث لاحقاً سوف يكون أسوء! أجابتها والدة راما قائلة: لا تتشائمي يا رقية، ودعونا نفكر ماهو سبب حدوث هذه المشكلة لكي نعرف كيف نحِلُها، قالت ريهام وهي تبكي من شدة خوفها مما حدث : حسناً فلنحاول بأسرع وقت ، إن أتى خطيبي رواس ولم يجدني لا أعلم ماذا سوف أفعل ، إنني أخشى أن يظن أنني مت أو ذهبت لمكان دون أن أُخبره، ثم يتركني ويخطب فتاة أُخرى غيري، قالت لها رقية : تفكرين في خطيبك يا ريهام ولم تفكرين في نفسك وماذا سوف يحصل لكي ؟ إن كان خطيبُك صادقاً في حبه لكِ سوف يبحث عنك وسوف ينتظرك.
قالت رنا وهي في شدة التوتر : حسناً حسناً ، اهدأن قليلًا ودعونا نفكر ، ماهو الشي المشترك الذي فعلناه جميعاً مع بعضنا البعض اليوم ولم يفعله غيرنا في الخارج ؟؟ رد الجميع بصوت واحد : الطعام! قالر والدة راما: نعم تناولنا الطعام نفسه معاً ، ولكن كل الطعامِ مألوفاً وناكله بإستمرار ولم يحدث لنا شيئاً من قبل! قالت والدة رنا : اظن أنني عرفت السبب ، قال الجميع : ماهو ؟ أكملت والدة رنا وقالت: عشبتك يا راما! لم أسمع عنها من قبل وجميعنا شربنا منها لأول مرة في حياتنا معكِ اليوم، قالت والدة ريهام : أخبرينا يا راما من أين حصلتي عليها ؟ ردت راما وهي تشعر بالخوف والحرج : إنها عشبة السندوق اخذتها من عطار الحي ، لقد مدحها كثيراً ولم أكن أعلم أنها سوف تسبب لنا الاختفاء، قالت والدة ريهام وهي غاضبة : كيف تشربين عشبة لا تعلمين مصدرها! ومن هو عطار الحي الذي تتحدثين عنه ؟ إنني اسكن هنا منذ أكثر من ثلاثين عاماً ولم أرى أيُ عطار في حينا! ردت رقية و رنا ووالدة رنا في وقتٍ واحد: نعم صحيح ليس لدينا عطارٌ في حينا يا راما، نحن متأكدون من ذلك.
أكملت رقية : يبدو أن أحداً ما خدعك بهذه العشبة وتورطنا جميعًا في شُربها، قالت راما: إن المحل بجوارنا وكان يبدو قديماً ولوحة المحل مكتوبٌ عليها "سحر العِطارة" ، لم آخذها من بائعٌ متجولٌ مجهول، رقية قالت : كُتب عليها سحر! بات الأمر واضحاً الآن، قالت ريهام: لن يفيدنا هذا الحوار الآن ، راما اذهبي لمحل العطارة هذا وأخبريه بما حدث لعله لديه علاج أو حل لنا، أما أنا سوف أذهب لأُخبر خطيبي رواس بما حدث فقد يُساعدنا.
خرجت ريهام وذهبت إلى منزل خطيبها رواس ولما وصلت إليه وجدته جالساً مع صديقهُ أمام منزله ويتحدث معه ، وكانت تناديه ولكنه لا يراها ولا يسمعها أيضاً! واستمرت في ندائه إلى أن سمعته ينطق اسمها سكتت و أنصتت إليه ، وإذا به يقول لصديقه: إنني أشعر بالارتياح لأن خطيبتي ريهام لم تتصل عليّ اليوم ، لا أعلم كيف أُخبرها بأنني لا أُريد أن أتزوجها ، شخصيتها سطحية ومزعجة ، لكني تدينت منها مبلغ من المال ، و لا استطيع الانفصال عنها قبل سداده.
تفاجأت ريهام مما سمعته من خطيبها رواس ، ثم عادت إلى بيت راما وهي في حالة إنهيار وبكاء شديد، أما راما على الجانب الآخر التي خرجت لتذهب عند العطار ، فإنها لم تجده ، وأيقنت أن هناك من خدعها ، فجلست أمام المكان الذي تظن أنه كان فيه محل العِطارة ، وهي تبكي وتشعر بالخوف مما حدث وتشعر باليأس وفقدان الأمل بأن تعود هي والبقية كما كانوا ، لا أحد يراها ولا أحد يسمعها ، وتشعر بالذنب أيضاً لأن جاراتها تضررن بسبب جهلها ، وفي هذه الأثناء وقفت أمام راما فتاة ذات وزنٍ زائدٍ مثلُها، نظرت إليها راما وهي تقول في نفسها: بالتأكيد أنها مثلي تبحث عن شيئاً لتخفيف الوزن، كانت الفتاة تحملُ كيسٌ كبير وتتحدث بالهاتف وتقول : نعم يا أمي أحضرت فستان زفافي وأنا الآن أقف في الشارع انتظر صديقتي أن تأتي لتذهب معي لأشتري حذاء الزفاف، لم تصدق راما ماسمعته وما رأته ، وذهبت تسير خلف الفتاة لتتحقق من الأمر ، وهي تقول: هل بالفعل ستتزوج وهي بهذا الوزن ؟ وهل يُعقل أن أحداً تقبلها هكذا ؟
وبينما تقف خلفها راما، كانت الفتاة تتحدث مع صديقتها وقالت لها: أتعلمين ياصديقتي ، كنت أُفكر بأن أُخفف من وزني قبل موعد زفافي ولكن خطيبي قال لي كلامٌ لن أنساه ما حيبت ، لقد قال لي : يجب أن تعلمين وتدركين أنك جميلة مثلما أنتي ، وأن لا تجعلين آراء الناس عنك هي من تحدد طريقة حياتك ، حينها سوف تفقدين السلطة على حياتك وسوف يتلاعب بك الآخرين، لأن لديك نقطة لضعف، يوماً سوف يقولون لك لن يتقبلك أحد إن لم تُنزلين من وزنك و سوف تذهبين راكضة لكي تنزلين من وزنك بأي وسيلة حتى لو كانت مضرة لصحتك ، يوماً آخر سوف يقولون لك لن يتقبلك أحد إن لم تدرسين في مجال محدد و سوف تذهبين راكضة لدراسة هذا المجال ، دون أن تعلمين إذا كنتي تحبينه أم لا ، وهكذا تمضي عليكِ السنوات وأنتي في صراع داخلي بين إرضاء الآخرين أو إرضاء نفسك ورغباتك وصحتك ، وإن أخترتي إرضاء الآخرين فسوف تصبحين بلا قيمة و بلا شخصية وغير سعيدة ، أما إذا أخترتي إرضاء نفسك فسوف تصبحين أكثر تقبلاً لنفسك مثلما كانت وأكثر ثقة وراحة وسعادة.
ذُهلت راما مما سمعته وبكيت كثيراً وقالت في نفسها: نعم صَدَقْت! كل ما قلته لخطيبتك صحيح ، لم أُفكر في أن أتقبل نفسي مثلما أكون ، بل فكرت في أنني كيف أجعل الآخرين يتقبلونني وللأسف كنت أقوم بفعل ما يقولونه لي دون تفكير لكي أكسب تقبلهم ، قسوت على نفسي بالأنظمة الغذائية الصعبة وبشرب الأعشاب المجهولة ، ولكنني لن أفعل ذلك بعد الآن فأنا مثل هذه الفتاة ، نعم أنا جميلة مثلما أنا! ومسحت دموعها وعادت إلى البيت، وعندما دخلت البيت أخبرت راما والدتها وجاراتها أنها لم تجد العطار ، ولكنها سمعت صوت بكاء ريهام و سألتهن ماذا حدث لها ؟ وبعد أن أخبرنها بأنها علمت أن رواس خطيبها يود أن يتركها ، قالت راما: يا رقية إنني لا أراكِ ولكن هلاّ أخبرتي الجميع بما أخبرتيني به عن ابنك راشد في الاسبوع الماضي ؟ ضحكت رقية وقالت: حسناً كنت أظن أن الوقت غير مناسبٍ الآن ولكن لا نعلم هل سوف نعود لطبيعتنا أم لا ، لذلك يجب أن أُخبرك الآن يا ريهام أن ابني راشدٌ يُحبك كثيراً وكان يريد أن يتقدم لخطبتك ولكن سبقه رواس ، والآن أصبحتي تعلمين بحبه لك ورغبته الصادقة في الزواج منك ، وبعد أن تنفصلين عن رواس ، إن عدنا إلى طبيعتنا سوف يتقدم لخطبتك وأنتي تعرفين راشد جيداً يا ريهام فنحن جيران منذ زمن طويل ، توقف ريهام عن البكا وقالت : نعم أعرفه جيداً ، راشد صديق طفولتي وهو شابٌ خلوق ويُعاملني دائماً بلطفٍ واحترام.
فرح الجميع بإعلان خبر حُب راشد لريهام ولكنهم إلى الآن لم يعودوا مثلما كانوا، وفي هذه الأثناء ذهبت رنا تبحث عن عشبة السنودق ، ووجدتها ، وقالت في نفسها ماذا سوف يحدث إن شربتها مرةً أُخرى ؟ لن يكون هناك شيءٌ أسوء مما نحن فيه، ثم شربتها! وانتظرت عدة دقائق .. ولكن لم يتغير شيء ، نظرت حولها فوجدت بعض العسل ، أخذت منه قليلاً ووضعته مع العشبة وشربتها مرةً أُخرى! وفوراً صرخ الجميع: رنا ! إننا نرآكِِ الآن لقد ظهرتي! عُدتي مثلما كنتي، كيف حدث طلك؟ ماذا فعلتي؟ أخبرينا، قالت رنا : لقد وجدت العلاج.
ثم أخذن جميعُهن العسل و وضعنه مع العشبة وشربنها مرةً أُخرى ، وعُدن للظهور مجدداً واحدةً تلو الأخرى. قالت لهن راما: الحمدلله على سلامتكن ، واعتذر إليكن عما حدث ، فقد كنت أُسيء التصرف لنفسي وبعد هذه التجربة تغيرت ولن أُكرر هذه التجارب العشوائية تجاه نفسي، قالت ريهام : لقد خُفت كثيراً من آثار هذه العشبة ولكنني علمت اموراً لم أكن استطيع أن أعلمها بدون الأختفاء الذي حدث ، كُنت متمسكةً بشدة في شخصٍ لا يريدني بينما هناك شخصٌ آخر يُحبني وينتظرني! لم أكن أتوقع بأنني سوف أقول ذلك، ولكن شكراً لعشبة السنودق! وضحكت وضحك الجميع أيضاً.
وانتهت السهرة العجيبة وذهبت الجارات ، وبقيت راما ووالدتها يرتبن البيت ، وفي اثناء ذلك وجدت والدة راما ظرفٌ صغيرٌ على الارض مكتوبٌ عليه إلى راما وعليه شعار الشركة التي تعمل بها ابنتها راما ، أخذته وقالت: راما يبدو أن هذا الظرف سقط من الملف الذي أحضرته أمس من الشركة ، أخذته راما وفتحته، كان مكتوباً فيه : "عزيزتي راما كتبت لك هذه الرسالة ووضعتها في الملف ، أتمنى أن تجدينها و تقرأينها ، أنا رامي زميلك في الشركة ، مدير القسم المجاور للقسم الذي تعملين مديرةً فيه ، إنني أُراقبك كل يوم منذُ فترة واعتذر عن ذلك ، لكنني مُعجبٌ بك وأُريد أن أتقدم لخطبتك "صرخت راما بكل حماس وفرح وقالت: أنظري يا أمي! هناك من هو متقبلني مثلما أنا! بل و إنه معجبٌ بي!
النهاية .
يمكنك سماع المزيد من القصص الرائعة عبر صفحتنا على اليوتيوب

إرسال تعليق