بحيرة الأمنيات: رحلة قيس لإنقاذ قريته قصة خيالية مميزة تخرجك من اليأس وتغمرك بالأمل
بُحيرة الأمنيات : بداية رحلة الأمل والتغيير
أخذ قيس عصا جده المرحوم، وتوجه إلى حفل الأمنيات، الحفل السنوي الذي يقام في قريته، وهو حفل تقليدي يقام كل عام في قرية النور، حيث تبدأ مراسم الاحتفال بعروض بهلوانية، ثم تليها فقرة مشاركة الحصاد الزراعي المميز، حيث يُحضّر كل مزارع أنواعاً جديدة ومميزة من حصاد مزرعته ليعرُضها بكل فخرٍ أمام أهلُ القرية وبقية المزارعين،
ثم بعد ذلك يتوجه من لديه أمنية إلى بحيرة الأمنيات، حيث تقول الأسطورة أن لهذه البحيرة سحراً متخصصاً بتحقيق الأمنيات،
لذلك من كانت لديه أمنيةٌ يرغبُ في تحقيقها عليه أن يقولها بصوت مسموع، أو يكتُبها على حجرة، ويُلقي بها في البحيرة، وخلال عدة أيام سوف تتحقق له أُمنيته! وكان أُهل قرية النور مؤمنون بهذه الأسطورة وينتظرون كل عام هذا اليوم بكل حماسة ليُعبروا عن أمنياتهم أمام تلك البحيرة، وقد عُرف عن أُهل قرية النور إهتمامهم بالأساطير والسحر.
وقف قيسٌ أمام البحيرة، وقبل أن يُفكر في أمنيته، نظر إلى جواره، ليجد صديقه عماد يحمل حجرة كبيرة، ويكتب عليها كلاماً طويلاً، نظر إليه قيس، وابتسم ضاحكاً وقال له مازحاً : يبدو أن أمنيتك ضخمة يا عماد لذلك اخترت حجراً كبيراً ليُناسبها، أليس كذلك؟
قال عماد بغضب:
نعم فعلتُ ذلك، اسخر مني كيفما تشاء يا قيس، ولكنك تعلم ما هي أمنيتي، وتعلم أنني لم أكُن أنانياً وأن هذه الأمنيةُ ليست لي وحدي، بل هي لكلِ أهل القرية، أنت تعلم أنني في كل موسم حصادٍ للزرع أقوم بدوري بالإشراف على التعداد السكاني للقرية، أذهب إلى كل بيت، وأُدون آخر مستجداتهم وإن زادهم طفلاً، لأقوم بجمع المعلومات حول كمية احتياجاتهم من الحصاد الزراعي، ثم لأقوم بعد ذلك بتقسيم إنتاج قريتنا من المحاصيل الزراعية وتوزيعها لكل عائلة حسب احتياجها،
ولكن كل هذا المجهود يذهب سُدى يا قيس!
نمتلك أراضي زراعية وعدداً كبيراً من الحصاد الزراعي، ويعيشُ سكان قريتنا كل عامٍ في فقرٍ وجوع!
لذلك سوف أستمرُ في كتابة هذه الأمنية عاماً بعد عام، إلى أن تتحقق، وينبغي عليك أنت أيضاً يا قيس أن تفعل مثلي، لأن عائلتك تمتلك أكبر مزرعة في القرية وبالتالي أنتم أكبر المتضررين مما يحدث.
لذلك سوف أستمرُ في كتابة هذه الأمنية عاماً بعد عام، إلى أن تتحقق، وينبغي عليك أنت أيضاً يا قيس أن تفعل مثلي، لأن عائلتك تمتلك أكبر مزرعة في القرية وبالتالي أنتم أكبر المتضررين مما يحدث.
يبحث قيس عن القوة والحلول، وحياة جديدة على وشك أن تبدأ
سكت قيس قليلاً ثم قال:
أفهم جيداً ما تتحدث عنه يا عماد، ولكن انظر إلى حالنا، كل عام نكتبُ نفس هذه الأمنية، ولم يتغير شي!
نقف أمام البحيرة كل عام ونتمنى أن تتوقف القرى المجاورة عن سرقة محاصيلنا، ثم تنتهي مراسمُ حفل الأمنيات ونعود إلى ديارنا وبعد أيامٍ قليلة تقتحمنا القرى المجاورة وتأخذُ كل حصادنا،
ولا يبقى لسكان قريتنا إلا الفُتات، ومع كثرة عددهم وقلة عددنا، لا نستطيع إيقافهم.
ثم أكمل قيس حديثه وقال:
إن كتابتنا لأمنيتنا بأن تتوقف القرى المجاورة عن سرقة محاصيلنا لا تُجدي نفعاً، رُغم ضخامة إنتاجنا الزراعي وقلة عدد سُكان قريتنا يُفترض أننا نعيش في رخاءٍ دائم ووفرة، إلا أن العكس صحيح، تُسرقُ محاصيلنا ويعيشُ سُكان قريتنا في شقاء، لذلك قررت هذه السنة أن أُغير أمنيتي، لأن لدي شيءٌ مهمٌ آخر لأتمناه، ونظر إلى عصا جده نظرةً غريبة، وكأنه ينظرُ إلى كنز.
قال له عماد:
وماذا نستطيع أن نفعل برأيك يا قيس؟
هل لديك طريقةً أُخرى؟ لقد قلت بنفسك بأننا لا نملك القوة ولا العدد الكافي لإيقافهم، ولم يُكمل عماداً حديثه عن القرية بل توقف وقال :
ولكن ما هذه العصا التي تحملها في يدك وتنظر إليها يا قيس؟ أليست عصا جدك التي أعطاك إياها قبل وفاته؟ لماذا أحضرتها هنا معك؟
أعاد قيس نظره إلى العصا، ثم نظر إلى البحيرة وقال:
أحضرتها لأتمنى أمام البحيرة بأن أعرف فائدتها وكيفية استخدامها.
رد عماد:
بالتأكيد أنك تمزح! هل ترى أن استخدام عصا جدك الآن أهم من تركيزنا على ما يحدث في قريتنا وانتصارنا على أعدائنا؟
قال له قيس:
بالطبع لا، ولكننا سوف ننتصر على أعدائنا بالتأكيد إذا استخدمنا هذه العصا، ركز معي يا عماد لأُخبرك قليلاً عنها وما الذي من الممكن أن تفعله هذه العصا!
لقد شاهدت جدي وهو يصنعها، كان يجلسُ ساعاتٍ طويلة، ويمارس العديد من الطقوس السحريةِ القوية على هذه العصا، علمت حينها أن هذه العصا سوف تكون لها قوة كبيرة، وعندما كان جدي على فراش الموت قال لي بأنه عمل لسنواتٍ عديدة ليصنع هذه العصا، فقط من أجل إنقاذ قريتنا، وعندما انتهى من صُنعها كان يشعر بالتعب، ولا يستطيع استعمالها، لذلك أعطاها لي، وقال لي استخدمها بحكمة يا قيس فهي سوف تكون المساعدةُ الأساسية لك في إنهاء هجمات القرى الأخرى على قريتنا، ولم تتسنَ له الفرصة ليعلمني عن كيفية استخدامها، لذلك أتيت هنا اليوم، لحفل الأمنيات، حاملاً معي عصا جدي السحرية، وقررت أن أتمنى معرفةُ كيف سوف تُساعدني هذه العصا في إنهاء هجمات القرى الأخرى على قريتنا؟
لقد قال قيسٌ جملته الأخيرة أمام البحيرة وبصوت مسموع!
وفي اللحظة نفسها تحولتِ الأرضُ من تحتِ أقدام قيس إلى وهجٍ ساطع تكونت منه حلقة دائرية دوامة أحاطت به، ونقلُ إلى مكان آخر!
اختفى قيس!
وظلَّ صديقه عماد في حالة ذهول!
اكتشاف قدرات العصا وبوادر نجاح الخطة
بقي عماد في مكانه ينتظر عودة صديقه قيس بترقب لساعاتٍ مُمتدة، حتى اكتسى ظلام الليل أرجاء المكان، وعندما أوشك الفجر أن يبزغ بنوره.. ظهر ضوءٌ خفيف في المكان نفسه الذي غادر منه قيس! ثم تحول هذا الضوء إلى وهجٍ ساطع تكونت منه حلقة دائرية دوامة مرة أُخرى ثم خرج منها قيس!
ومع دهشة عماد لما يراه أمامه، دفعته بهجته العارمة بعودة صديقه قيس سالماً بأن يقول:
حمدا لله أنك عُدت يا قيس، أين ذهبت؟ وماذا حدث لك؟
قال له قيس: لقد كانت مغامرة ممتعة! بدأ كل شي عندما قلت بصوتٍ مسموع: كيف سوف تُساعدني هذه العصا في إنهاء هجمات القرى الأخرى على قريتنا؟
لم تكن للبحيرة دورٌ في ذلك، إنها عصا جدي! اكتشفتُ أنني عندما أسألها عن شيء، تنُفذ طلبي من خلال نقلي لمكان الحدث الذي سألتها عنه، وكأنها آداة إنتقال للمكان والزمان! وعندما سمعتْ العصا طلبي لمساعدتها على إنهاء هجمات القُرى الأُخرى على قريتنا قرية النور، بدأت العصا تنبض في قبضتي بسخونةٍ خفيفةٍ متصاعدة، ثم بدأت الدائرةُ الدوامةُ من تحت أقدامي كما رأيتها معي يا عماد، ثم فجأة انتقلتُ إلى القريةِ المجاورة، للمكان الذي كانوا مجتمعين فيه للتخطيط والاستعداد للهجوم على قريتنا! واختبأت وسمعتُ خُطتهم كاملة، وسمعتهم يقولون بأنهم قد أخبروا القريتين الأخرى التي تتشارك معهم في الهجوم بأن تستعد معهم للهجوم على قريتنا، وعلمتُ أنهم بدأوا بالاستعداد مع بعضهم البعض في نفس اللحظة، ورأيتهم وهم يضعون عتادهم، ويُهيؤون خُيولهم للهجوم على قريتنا، وانتظرتهم إلى أن غادروا المكان، ثم أفسدتُ خُطتهم، لقد فككتُ العتاد وغيرت أماكن الخيول،
ثم بعد ذلك استخدمت عصا جدي لأنتقل إلى القريتين الأخرى، وفعلت فيها نفس ما فعلت في القرية الأولى، ثم والأهمُ من ذلك كله، أنني قُمتُ بنشرِ إشاعةٍ مفادها أن سكان قريتنا قرية النور قاموا بتفعيل تعويذة سحرية تُفسدُ أي مخطط ضد قريتهم، نظراً لمعرفتهم بإهتمام سُكان قريتنا بالسحر، ذلك سوف يجعلهم يصدقون الإشاعة وبسهولة.
نشرتُ تلك الإشاعة لأجعلهم يكفون عن ما يقومون به من سرقة لمحاصيلنا الزراعية وتخريبٍ لقريتنا،
وكنت متأكداً بأنهم سوف يُصدقون تلك الإشاعة أيضاً
بسبب فساد خطتهم في ثلاث قرى متفرقة، وفي وقت متقارب! لن يستطيعوا أبداً توقع أن لدى أحد سكان قرية النور عصا سحرية ساعدته ليقوم بذلك، ويتنقل من مكانٍ لآخر في نفس الفترة الزمنية، ليُفسد خطتهم ويُفكك العتاد وتجهيزاتهم للهجوم.
ثم تركتهم لفترة من الوقت وعُدت مُجدداً
لأتحقق من أن كل شيءٍ فعلته حقق النتائج التي أرغب بها وأن كل شيءٍ يسيرُ بالاتجاه الذي خططتُ له ورسمته.
وبالفعل لقد صدقوا الإشاعة، وكانو خائفين ونادمين على ما كانوا ينوون فعله بقريتنا، لقد نجحنا يا عماد! لن يُهاجم أحدٌ قريتنا في هذا العام ولا في الأعوام المقبلة!
لقد انتهت تلك الحقبة بمعاناتها، وسوف تبدأ الآن حقبةً جديدة من الإزدهار والرخاء لقريتنا الحبيبة.
قال عماد:
نعم الحمدلله، ويُنسبُ الفضلُ لك يا قيس أنت وجدك،
مهاراة جدك في الابتكار انقذتنا، وحسن تصرفك واستخدامك الذكي لتلك العصا جعل أُمنيةُ أهل قرية النور حقيقةً وواقع، شكراً لكما.
ثم ابتسم عماد وأكمل حديثه بكل حماسةٍ وقال:
سوف أذهب لأخبر أهل القرية كلهم بما حدث، وبما فعلته يا قيس، ثم سوف أُجهز احتفالاً ضخماً بمناسبة هذا الانتصار العظيم.
رد قيس: رائع يا عماد، ولكن قبل ذلك أريد أن أخبرك بشيءٍ مهمٍ آخر.
ثم عمَّ الصمتُ بينهما، وخف حماسُ عماد، وهدأت بهجته، وظن أن هناك شيئاً سيئاً على وشك أن يُخبره به قيس.
الانتقال من الشقاء إلى الرخاء بذكاء وشجاعة قيس وحماسة واجتهاد عماد
أكمل قيس وقال:
عندما كنتُ هناك في القرى المجاورة أستمع إليهم وإلى خُططهم، أدركتُ بأنهم ليسوا أشراراً يا عماد، وإنما هم فقط جاهلون، لقد عرفتُ من خلال حديثهم أن القرى التي يسكنون بها تخلوا تماماً من المحاصيل الزراعية وأراضيهم ليست بخصبة كأراضينا، وعددُ سكانهم أكبرُ بكثير من عدد سكان قريتنا، لذلك فإنهم يعانون نقصاً في الغذاء والموارد، وبسبب جهلهم و إفتقارهم للحكمة، قرروا سرقة إنتاجنا الزراعي، ولو أنهم طلبوه بطُرقٍ مشروعةٍ لكنا أعطيناهم من الفائض من محاصيلنا الزراعيةِ بكل سرور، ولكن بسبب هجومهم، وأخذهم محاصيلنا الزراعية عنوة، لا يبقى لقريتنا شي، ويعيش سكان قريتنا في جوع، ويعيشون هم في جهلٍ وتسلُط، وسرقتهم لحقوق الآخرين وأملاكهم بالطبع لن يجعلهم سعداء، لذلك ما رأيك يا عماد أن تتعاون معي لنقوم بعملٍ خيري؟ بعد أن تنتهي من قيامك بعملك المعتاد وتقسيم محاصيلنا الزراعية على سكان قريتنا، نقوم أنا وأنت بإرسال الفائض منها لهم؟ ونكتب معها رسالةً نوضح فيها رغبتنا في مساعدتهم دون حرب.
رد عماد:
حسناً، ولكن لدي فكرةٌ أفضل.
حسناً، ولكن لدي فكرةٌ أفضل.
قسم عماد المحاصيل الزراعية إلى قسمين:
قسم للاستهلاك وهو مخصص لتوزيع المحاصيل على سكان قرية النور أولاً وحسب حاجتهم،
وقسمٌ آخر للتصدير وهو مخصص لبيع وتوزيع المحاصيل الفائضة على القرى المجاورة.
ثم بعد ذلك نظم عماداً سوقاً ضخماً، عرض فيه هذه المحاصيل الفائضة، بينما كان قيس يستخدم عصا جده ليذهب إلى القرى المجاورة، وينشر فيها خبر هذا السوق الذي يتضمن بيع المحاصيل الزراعية مقابل مال أو سلعة كالأواني أو مقابل خدمة، كالبناء أو التعليم.
قسم للاستهلاك وهو مخصص لتوزيع المحاصيل على سكان قرية النور أولاً وحسب حاجتهم،
وقسمٌ آخر للتصدير وهو مخصص لبيع وتوزيع المحاصيل الفائضة على القرى المجاورة.
ثم بعد ذلك نظم عماداً سوقاً ضخماً، عرض فيه هذه المحاصيل الفائضة، بينما كان قيس يستخدم عصا جده ليذهب إلى القرى المجاورة، وينشر فيها خبر هذا السوق الذي يتضمن بيع المحاصيل الزراعية مقابل مال أو سلعة كالأواني أو مقابل خدمة، كالبناء أو التعليم.
واتفقوا على تنظيمِ هذا السوق في كل موسمٍ زراعي، وبهذه الطريقة الذكية، ازدهرت قرية النور وتنوعت فيها المنتجات وازدهرت أيضاً القرى المجاورة لقرية النور وتوفرت بها جميع المحاصيل الزراعية وبدون حروب وسرقة، وعاد لأصاحب القرى المجاورة الرشد والحكمة وتعاونوا بحب وعدل مع قرية النور، وعمَّ السلام والأمان والرخاء بينهما.
النهاية.
لسماع القصة كاملة في اليوتيوب اضغط هنا

إرسال تعليق