طريق الغروب قصة المدينة السرية
وفي أحد المدن المجاورة لتلك الأرض
الخاوية، يوجد شاب يُدعى عُمير وهو شاب من أسرة فقيرة، توفي والده وهو طفل صغير،
لم تسمح له ظروفه بأن يتعلم، وهو يعيش في حالة بؤس بسبب فقره، لذلك قرر أن يبحث عن
موقع المدينة السرية، ليأخذ من الذهب المليء الموجود في تلك المدينة كما تقول الأساطير،
لعل ذلك يُغير حاله.
ذهب عُمير إلى مقهى الشباب،
أكبر مقهى في المدينة، والذي عُرف عنه أنه مكان لتناقل الأخبار والمعلومات، ليسأل
عن المدينة السرية، وعندما وصل وسأل الرجال الجالسين في المقهى عن المدينة السرية،
ضحكوا كثيراً وسخروا منه، وأخبروه بأنها مجرد أساطير كاذبة، ولا يوجد أيُّ دليل
على ظهورها، ولم يسبق أن شاهدها أحد، قاطعهم أحد الرجال الحاضرين وقال: عيسى لديه
دليل! عمَّ الصمت في أرجاء المكان! قال عُمير: دُلني على عنوان عيسى.
مشى عُمير مع الرجل الذي
يعّرِفُ عنوان عيسى، واستمروا يسيرون في أرجاء المدينة حوالي نصف ساعة! الطريق
طويل وموحش، لا يسير فيه سواهم، بينما بدأت الشمس تنحدر نحو الأفق في بداية الغروب،
وكانت السماء فوقهم قد تلونت بالون الأحمر والبرتقالي، والصمت يعم الأرجاء، ماعدا
صوت خطوات أقدامهم، ولكنهم لاحظوا شيئاً غريباً وتوقفوا! رغم توقفهم إلا أن صوت
خطوات الأقدام مازال مستمراً! تسمروا في مكانهم! أغمض عُمير عيناه خوفاً من أن يرى
منظراً مُرعباً، بينما كان الرجل الآخر يُدير وجهه للخلف بحذر وببطء، ليرى من يمشي
هناك خلفهم!
وبعد أن نظر الرجل للخلف، رأى
رجلاً بملابس رثة وشعراً أشعث، قال الرجل: هذا أنت يا سفيان! لقد أخفتنا يا رجل!
تعال إلى هنا يا سفيان. نظر عُمير للرجل وقال له: هل تعرفه؟ رد الرجل: نعم، إنه
شاب معروف في المدينة، ولكن مؤخراً حدثت له ظروف جعلته يكتئب ويصبح بهذا الشكل.
وصل سُفيان إليهما، قال له
الرجل: أخبرنا يا سُفيان ما بك؟ لماذا تتسل خلفنا؟ رد سفيان بصوتٍ شاحبِ مليءٌ بالحزن:
سمعتكم تتحدثون في مقهى الشباب عن المدينة السرية، ولحقتكم لأحصل على المعلومات
التي تبحثون عنها، قال له عُمير: أنت أيضاً تريد الذهاب إلى المدينة السرية؟ أتعبك
الفقر أليس كذلك؟ وتريد من الذهب الذي يُقال عنه! بالتأكيد أنك كذلك..
حسناً سوف أسمح لك أن تقاسمني
من ذهب المدينة السرية، بشرط أن آخذ النصيبُ الأكبر، فأنا من بدأ بالبحث والسؤال
عن تلك المدينة وأنت فقط لحقتني، وإن قبلت بشرطي سوف تكون رفيق الرحلة، قال له سفيان:
لا يهمُني ذهب المدينة السرية، ولا تهمُني رفقتك.. سمعت أن من يذهب إلى تلك
المدينة يفقد ذاكرته ولا يعود كما كان! وأنا بحاجة لذلك، لقد سئمت من حياتي هكذا، منبوذٌ
بلا بيت وبلا أسرة ولا عمل.. أريد أن أنسى كل ما حدث لي وأنسى كل من يعرفونني، ثم
أُسافر لدولة أخرى وأبدأ حياتي من جديد.
رد عُمير باستغراب: وما
الذي حدث لك؟ قال له سُفيان يطول الحديث عن قصتي، سوف أحكيها لك ونحن في طريقنا
إلى المدينة السرية، قال لهما الرجل: حسناً، بكل الأحوال نحن وصلنا بالفعل إلى عنوان
عيسى، الباحث بشؤون المدينة السرية، والذي لديه كل المعلومات والأدلة عنها، وأشار
إلى المنزل في نهاية الشارع وقال لهم ذلك هو بيت عيسى، أذهبوا إليه واسألوه ما شئتم..
ثم غادر الرجل.
وصل عُمير وسُفيان لباب
منزل عيسى، البيت منظره مُريب، قديمٌ جداً ومُتهالك، نوافذهُ جميعها مُكسرة، كأنه
بيتٌ مهجور! وبعد أن طرقا الباب فتح لهما عيسى! وسألوه مباشرةً: جئنا إليك لتدلنا
على مكان المدينة السرية وموعد ظهورها! قال لهم: رائع، لقد وجدتُ رفقاء الرحلة!
أدخلوا.
أدخلهم عيسى وهو في أشد
حماسه، وبدأ يحكي لهما عن المدينة السرية، وقال لهم: أنا أُخطط للذهاب إلى المدينة
السرية منذ أكثر من ثلاث سنوات، بعد أن مات جدي، لأنه قال لي وهو في فراش الموت
أنه يريد أن يخبرني بشيء مهم قد يغير حياتي للأبد ومات ولم يخبرني به، لذلك عقدتُ
النية للذهاب إلى المدينة السرية لكي ألتقي به ويخبرني بما أراد أن يخبرني به!
جمعت كل المعلومات اللازمة وسوف أذهب إليها هذا العام.. ثم سكت قليل وأبتسم وقال:
هل ترون هذا المنزل الذي أسكن فيه الآن؟ نظر عُمير وسفيان للمنزل من حولهما ليرون
النوافذ المكسرة وبقية آثارها والأثاث القديم والأتربة التي تملأ المكان وقالا باشمئزاز:
نعم، ما به؟ قال لهما عيسى وهو في قمة حماسته: أنه منزل سيف الدين أحد الاشباح
الذين يسكنون في المدينة السرية الآن! رد عُمير وسفيان بصوتٍ مرتفع وفي النفس
اللحظة: ماذا تقول!
ضحك عيسى وقال لهما: نعم،
نعم إنه منزل رجل يدعى سيف الدين، قد مات هذا الرجل منذ ثلاثين عام! أتيت وسكنت في
منزله منذ أن قررت أن أذهب إلى المدينة السرية، يُقال بإن سيف الدين قد زار المدينة
السرية، وكل ما قاله سيف الدين للناس عن المدينة السرية بعدما عاد منها بأنه التقى
بأخيه الميتِ هُناك، وبأنه سعيدٌ بذهابه إلى المدينة السرية، ولكنه لن يُكررها أبداً،
أما أنا فقد أتيت لأسكن في منزله وأبحث عن أي معلومات أو دليل يقودني لموعد ظهور المدينة
السرية، ولقد وجدته! وأنا الآن أستعد للذهاب إليها، فغداً صباحاً هو موعد ظهورها!
وكنت أتمنى أن يشاركني أحداً رغبتي في زيارة المدينة السرية، ويكون رفيق رحلتي
ومغامرتي المثيرة، وظهرتما أنتما الأثنان لي! يا لسعادتي.
ثم أكمل عيسى حديثه وقال:
لقد كُنت مع جدي في آخر لحظات حياته، وقال لي هُناك شيئاً هاماً عن والدك أود أن
أخبرك به، ولكنه مات قبل أن يُخبرني، وأنا عشت حياتي كُلُّها أبحث عن أبي! لقد
سافر في مهمة، وأنا لا أعلم ماهيَّ تلك المهمة، كان عمري حينها خمسة سنوات، ولم
يعُد منذ ذلك الوقت، ولا أحد يعلم عنه شيئاً، لذلك سعيتُ جاهداً لأجمع المعلومات
عن المدينة السرية؛ لكي أذهب إليها والتقي بجدي ليكمل لي حديثه! لعله عَرف أين أبي
وأراد أن يخبرني بذلك ولم يسعفه الوقت؟ أو يعرف ماذا حدث له؟ ولماذا تركني هكذا؟ لابد
أن التقي بجدي لأجد إجاباتٍ على تساؤلاتي عن أبي وأرتاح منها.
أكمل عيسى متنهداً: آه.. وهذه
هي قصتي وسبب رغبتي في الذهاب إلى المدينة السرية، ولكن ماذا عنكم؟ قال له عُمير:
أتمنى أن تلتقي بجدك يا عيسى ويرشد على والدك، بالفعل أتمنى لك ذلك، ولكن لا اظن
أن يحدث هذا الأمر! أعني أن قصة تجمع الأشباح والموتى في المدينة السرية لا يمكن
أن تكون حقيقية! المدينة السرية فقط مليئة بالذهب، وباقي الأساطير كاذبة، عيسى:
لأنك تريد الذهب اخترت أن تصدق هذه الأسطورة وتكذب باقي الأساطير؟! عُمير: وأنت
لأنك تريد لقاء جدك اخترت لأن تصدق هذه الأسطورة وتكذب باقي الأساطير؟!
سكت عيسى قليلاً ثم قال:
أخبراني ما قصتكما الكاملة؟ ولماذا تريدان الذهاب إلى المدينة السرية؟ رد عُمير:
الذهب! أريد أن أُغير حالة الفقر التي أعيشها، أُريد أن آخذ من الذهب الذي يُحكى
عنه. قال له عيسى: بصراحة، أشك بأن هناك ذهب! أنا شبه متأكد أن المدينة السرية،
مكان لتجمُع الموتى والأشباح وليس كما تقول الأساطير الأخرى عن الذهب وفقدان الذاكرة،
رد عليه عُمير فوراً: لا لا لا.. أنت لم تذهب إلى هناك بنفسك بعد، ولا تدري قد
تكون أسطورة أن المدينة السرية مكان لتجمع الأشباح هي الأسطورة الكاذبة! قال له
عيسى باستهزاء: حسناً، سنذهب ونرى بأنفسنا!
وبدأ يشتد الخلاف بينهما
من جديد، قاطعهما سُفيان قائلاً: مهلاً، مهلاً، مهلاً! أتعلمان أمراً؟ أن لم أفقد
ذاكرتي كما تقول الأسطورة التي سمعتها؟ سوف أقتلكما أنتما الاثنين وأقتل نفسي! قال
له عيسى: لا يا رجل! لا تقول مثل هذا الكلام حتى وإن كنت مازحاً! رد سفيان بكل
جدية: ومن قال لك أنني أمزح؟! قال عُمير: سفيان أخبرنا يا رجل ما الذي حدث معك
وجعلك تريد أن تفقد ذاكرتك؟ قال سفيان: يطول الحديث عن قصتي، سوف أحكيها لكما ونحن
في طريقنا إلى المدينة السرية. قال لهما عيسى: غداً في الساعة الخامسة صباحاً تظهر
المدينة السرية، والأرض الخاوية التي تظهر عليها المدينة السرية تبعُد عن هذا
المنزل مدة عشر دقائق، ومن المهم يا شباب أن نكون متواجدين هناك قبل موعد ظهورها.

إرسال تعليق