قصة الليلة الممطرة قصة مليئة بالغموض والتشويق

الليلة المُمطرة

الليلة الممطرة

عندما بدأت السماء تُمطر مطرًا خفيفًا، خرج عامر من بيته، وركب سيارته وسار بها بعيدًا بدون هدف،
كانت السماء ممتلئة بالغيوم السوداء، وفي كل لحظة جديدة كان المطر يزداد كثافة،
ومازال عامر مستمر يسير بسيارته بسرعة متوسطة، لا يرى أمامه إلا الضباب،
وومضات متتالية من ضوء البرق الأبيض القوي! لم يكن عامر يشعر بشيء،
لم يكن يدور في ذهنه شيءٌ سوى سؤالًا واحدًا! إلى أين أنا ذاهبٌ الآن؟
وفجأة قرر عامر أن يُوقف سيارته في منتصف الطريق، خرج من سيارته،
أغلق هاتفه، ووضعه داخل السيارة وأغلقها، ثم سار برجله بجانب الطريق،
إلى أن وجد مدخلًا بجانب الطريق! توقف عامر ونظر إلى المدخل باستغراب،
وقال في نفسه: لا أعلم لماذا جئت إلى هُنا، وما هو هذا المكان،
ولكن سوف أدخل و أرى ماذا يوجد خلف هذا المدخل،
وعندما دخل عامر، وجده طريقًا ضيقًا وطويلًا، بدأ يسير فيه، وهو حذر،
العُشب من تحت أقدامه مُختلطٌ بالطين كالوحلِ بسبب المطر،
والأشجار الطويلة والكثيفة عن يمينه وعن يساره على طول الطريق،
الطريق فارغ ومُظلم، ورائحة الوحل تفوح منه، 

قصة الليلة الممطرة


كان عامر يسير بقدميه إلى الأمام،
ولكن عقله كان يجره للخلف، كان يقول له: إلى أين أنت ذاهب؟ وليس معك هاتفك المحمول،
قد تضيع ولا تجد طريقا للعودة! توقف حالاً ودعنا نعود من حيث أتينا! 
أما قلبه فكان يقول له: أكمل للأمام!
كانت أقدامه تتبع قلبه، رغم عدم معرفته بالمكان والطريق!
استمر عامر بالسير في ذلك الطريق المُريب، لوقتٍ طويل لا يعلم دقته،
هل مرت نصف ساعة؟ ربما أكثر قليلًا أو أقل، لم يتوقف إلى أن وجد أمامه بيتًا خشبيًا صغير،
كانت أنواره مُضاءة، وبابه مفتوح، وأمام الباب توجد طفلة صغيرة تلعب تحت المطر،
وعندما أقترب منها عامر، وجد خلفها امرأة عجوز تجلس على كرسي خشبي قديم، تنظر إلى الطفلة وهي مبتسمة،
وعندما رأت العجوز عامر، وقفت ونظرت إليه نظرة الاندهاش، واستمرت تنظر إليه بدهشة،
وهو ينظر إليها بريبة وخوف لعدة ثواني،
ثم قالت: تفضل أدخل، لابد أنك تشعر بالتعب من السير في هذا الطريق الطويل!
ودخلت البيت،
كان عامر بالفعل مُجهد من السير لمدة طويلة، وخاصة مع وجود الوحل العشبي الذي زاد الطريق طولًا،
دخل عامر البيت بعد أن دخلت العجوز، ودخلت الطفلة خلفهم،
طلبت السيدة العجوز من عامر أن يجلس، وقالت له أنها سوف تذهب لتُحضر له بعض الطعام، وشيئًا ليشربه،
وأما الطفلة فجلست بجانب عامر وهي تنظر إليه بإعجاب وقالت له: شكراً أنك أتيت لزيارتنا! نادرًا ما يأتي أحدٌ لزيارتنا،
قال لها عامر: وأنا سعيدٌ أن زيارتي لكم أسعدتك، لقد رأيتك وأنت تلعب تحت المطر، لابد أنك كنتي مستمتعة بذلك.
قالت الطفلة: نعم أُحب المطر، ولكنني أحب الزائرين أكثر!
ثم نظرت الطفلة إلى حذاء عامر المليء ببقايا العشب وآثار الوحل وقالت: رغم صعوبة الطريق إلى هُنا وطوله،
إلا أنك أكملته للأخير ووصلت إلى هُنا، لابد أنك من المميزين!
كان عامر متفاجئًا من أسلوب حديث الطفلة، كيف تتحدث بهذه الإدراك والفهم، رغم صغر سنها!
ثم أتت السيدة العجوز، ووضعت الطعام والشراب أمام عامر، وقالت له: أخبرني عنك.
أخذ عامر الشراب، وبدأ يتحدث عن نفسه وعن حياته وهو يأكل ويشرب،
لم يتوقف عن الحديث، ولا عن الطعام وكأنه لم يأكل من قبل ولم يُحدثه أحد من قبل!
كان يقول: كنت أسكن مع أخي، وهو أكبر مني، كنا نسكن في البيت أنا وهو فقط،
لأن والدينا ماتوا ونحن صغارًا، كان أخي يرعاني ويهتم لأمري، وعندما بلغت من العمر الخامسة عشر،
تركني وذهب ليعيش بمفرده بعيدًا عني، ولم يُخبرني لماذا! شعرت حينها بحزن شديد،
ولم آراه منذ وقتها، واضطررت للخروج للعمل لكي أرعى نفسي وأًعيلها
عملت مع بائع خضار، كان طيبًا معي وكان يعاملني بمودة وكأنني ابنه،
وكان لديه ابنة وحيدة، ليس لديه سواها،
لقد كانت جميلة وحنونه، لقد أحببتها وأحبتني هي أيضًا،
وعندما علم بأمرنا والدها، منعها من التحدث معي، وعندما علمت بذلك، تركت العمل عنده،
وذهبت  لأعمل بمفردي، كنت قد تعلمت العمل وأسراره، وأصبحت بارعًا فيه،
لذلك فتحت محلًا للخضار! ولكن بعيدًا عن محل الرجل الذي كنت أعمل عنده،
لكي لا أنافسه في زبائنه، ولكنني لم أنجح!
واستمريت لعدة أعوام أحاول جاهدًا بأن أُنجح عملي في محل الخضار ولكن بدون جدوى!
إلى أن أخبرني أحدهم، بأن والد الفتاة التي أحببتها، والذي تعلمت أسرار المهنة منه،
كان ينصح الناس بأن لا يشترون مني! 
لا أعلم لماذا كان يفعل ذلك، رغم أنني لم أضره في شيء!
لقد أحببتُ ابنته من كلِّ قلبي، وكنت أنوي أن أتزوجها، ونكون أُسرة واحده،
لم أفهم ما الذي يحدث معي، أغلقت المحل، وعدت وحيداً حزينًا إلى بيتي،
ولم أخرجه منه لعدة أيام، إلى أن جاء المطر، وخرجت من البيت بدون أن أُفكر،
وركبت سيارتي وسرتُ بها إلى منتصف الطريق،
وأكملت طريقي إلى هُنا سيرًا على قدماي.
بعد أن سكت عامر، ظلت الطفلة والسيدة العجوز لعدة ثواني في لحظة صمت،
ثم قالت الطفلة: كم أنت محظوظ!
قال لها عامر باستنكار: ماذا؟
لم تجبه الطفلة، بل أكتفت بالنظر إلى السيدة العجوز وكأنها تقول لها، أخبريه أنتِ!
قالت السيدة العجوز: يا بُني، لقد اعتمدت على أخيك الأكبر كثيراً،
كان أخيك يرعاك لأنك كنت طفلًا وعندما كبرت لم تستطيع الاعتماد على نفسك،
مما اضطره لترك، لتتعلم أن تعتني بنفسك وتصبح شخصًا مسؤول،
بدلًا من كونك طفلًا يبحث عن من يرعاه!
أما بائع الخضار، فقد فرق بينك وبين ابنته ليزيد شوقك إليها فتتقدم لخطبتها!
فإن كنت تراها كل يومٍ أمامك،
فلن يكون لديك دافعاً قويًا لأن تجتهد لتوفر سكناً وتحضرها إليه كزوجة لك!
ثم بعد ذلك، عندما تركت عملك معه، وفتحت لنفسك عملك الخاص،
كان ينصح الناس بأن لا يشترون منك، صحيحٌ أنه كان يُريدك أن تفشل في عملك،
ولكن لتعود إليه وتعمل معه في محله، كان يراك مثله ابنه، لأنه  ليس لديه أبناء!
أراد أن يزوجك ابنته الوحيدة، ويعطيك المحل لتعمل به من بعده.
كان عامر قد توقف عن الأكل والشرب منذ أن بدأت السيدة العجوز حديثها!
وما أن انتهت قال لها عامر: صدقتِ!
لقد قال لي البائع بعد أن علم بأمرنا أنا وابنته،
إن كان الذي بينكما حقيقيًا فسوف يستمر!
ولكنني لم أفهمه حينها، الآن فهمته!
وقام عامر وقبل رأس السيدة العجوز، ورأس الطفلة،
قال لهما: أعجز عن شكركما، سوف أذهب الآن فوراً لبائع الخضار،
أما أخي، فأنا أعلم أين يسكن،
سوف أواظب على زيارته، والسؤال عن أحواله.
ثم خرج مسرعًا متجهًا لبائع الخضار.


النهاية.





Post a Comment

أحدث أقدم