رحلة ماري إلى البرج الإعلامي
البرج الإعلامي:
وصلت لصديقتنا ماري دعوة إلى جولة سياحية في برجٍ قديم داخل مدينتها، حيث يُعتبر ذلك البرج معلمًا لأنه كان مركزًا إعلاميًا مشهورًا قبل أكثر من 30 عامًا، عُرضت فيه أحداثًا سياسية غيرت مجرى تاريخ الدولة والمنطقة المُحيطة بها، وبعد فترة انتقل المركز الإعلامي إلى مبنى آخر جديد، وتم إغلاق هذا البرج وظلَّ مهجورًا لعدة سنوات، حتى قام الأستاذ جمال الدين بإعادة فتحه، وتحويله إلى معلم سياحي لجذب الزوار من جميع أنحاء الدولة لرؤية هذا البرج الذي كان منبرًا إعلاميًا هامًا فيه تلك الفترة الزمنية، مع العلم بأن الأستاذ جمال الدين، كان أحد الإعلاميين المشهورين في تلك الفترة، حيث أنه كان موظفًا في المركز الإعلامي آن ذاك، وبالتالي كان متواجدًا داخل المبنى أثناء تلك الأحداث، وبعد أن بلغ الستين عامًا وتقاعد من عمله في المركز الإعلامي، قرر بأن يُعد أمجاد البرج المهجور، فأخذ الأذن من الدولة ليقوم بإعادة فتحه، ولجعله معلمًا سياحيًا! وينظم الرحلات لزيارته.
ولأن ماري درست في قسم الإعلام، تم إرسال دعوة لها للمشاركة في الجولة السياحية للبرج الإعلامي القديم، حيث أن ماري كانت طفلة تبلغ من العمر عامين فقط، في تلك الفترة الزمنية التي حدثت فيها تلك الأحداث السياسية، وعندما وصلت الدعوة إلى ماري كانت في قمة حماستها، لزيارة البرج الشهير، وهُنا بدأت المغامرة! حان موعد الجولة السياحية، وصلت ماري إلى موقع الباص المخصص لنقل الزوار من وسط المدينة إلى موقع البرج، حيث يصحبهم من بداية الجولة الأستاذ جمال الدين شخصيًا! ليحكي لهم كلًّ ما شهده في تلك الفترة من أحداث غيرت مجرى التاريخ، ودوره هو وبقية زملائه الإعلاميين العاملين في البرج في نجاح التغيير السياسي الذي حدث آن ذاك.
الانطلاقة لطريق الجولة السياحية ومواجهة المفاجآت:
حان موعد الجولة السياحية، وصلت ماري للموقع المتفق عليه للانطلاق في الجولة، وهناك التقت بالإعلامي المخضرم جمال الدين وكانت سعيدة برؤيته، صعدت إلى الباص لتستعد لبداية الجولة، لاحظت ماري شيئًا غريبًا، كان كلَّ من في الباص هن فتيات فقط وجيعهن بنفس عمرها! ومواصفاتهن تُشبه مواصفاتها! جميعهن من البشرة الحنطية، وشعرهن بني اللون، وطولهن مُتقارب! جلست ماري في مقعدها في الباص، تنظر حولها بحذر، كانت الفتيات منشغلات بالحديث والتعارف، بينما ماري هي الوحيدة التي تنظر من حولها بصمت، أكتمل العدد، الباص ممتلئ بالفتيات الشابات، المتحمسات للجولة السياحية، وقف بينهم جمال الدين وقال: أهل بكن جميعًا في هذه الجولة السياحية إلى البرج الإعلامي سابقًا، سوف نتجول بداخل البرج الإعلامي وسأحكي لكم عن الأحداث التي وقعت في تلك الفترة التاريخية وما كُنا نفعله أنا وزملائي بداخل البرج لنغطي كلَّ الأحداث ونساهم في التغيير الكبير الذي جعل دولتنا على ماهي عليه من نهضة وحضارة الآن.
ثم جلس جمال الدين، ليتحرك الباص باتجاه البرج، ستائر نوافذ الباص أُغلقت منذ أن تحرك الباص، مما زاد من قلق ماري، فقامت لتسأل منظمين الرحلة، لماذا تم أغلاق نوافذ الباص؟ أجابها جمال الدين: نظام الباص هكذا يعمل وليست لدينا القدرة على تغييره! عادت ماري إلى مقعدها والشكوك تساورها، الطريق أطول مما ينبغي! وجمال الدين يقف وسط الباص ويبتسم للفتيات ابتسامة مُريبة! عيناه ثابتتان تنظر بمكر! وفمه مبتسم، كالأفعى التي وجدت فريستها! وصلوا للبرج، وكان جمال الدين يقف بجانب باب الباص ليتأكد من خروج جميع الفتيات من الباص ودخولهن جميعًا إلى البرج، وهنا قررت ماري أن تهرب حماية لنفسها مما قد يحدث!
وما أن غيرت ماري وجهتها، وجدت جمال الدين يسير خلفها! نظرت إلى يده، وجدته يحمل سكينًا! قالت له وهي مشيرة بيديها لأن يتوقف: لا حاجة لذلك، سوف أعود معك إلى البرج بكل هدوء، ودخلت ماري مع جمال الدين إلى البرج رغمًا عنها، وهنا كانت المفاجأة الكبرى، وجدت ماري وبقية الفتيات صورهن معلقة على جدران البرج! صورهن في كل مراحل حياتهن، في الطفولة، وفي المدرسة، وأغلب ذكرياتهن! مع صور بعض الشهادات والوثائق الرسمية لهن، وكان جمال الدين يسير أمامهن بعد أن رتب سيرهن بخط مستقيم، مانعهن من الحديث بشكل قاطع، في تلك اللحظات لم تعد ماري وحدها فقط التي أدركت بأنها في مأزق، بل جميعهن أدركن ذلك!
قسم جمال الدين وفريقه المكون من سيدة واحدة ورجُلين، الفتيات إلى مجموعات، كل مجموعة تتكون من ثلاث فتيات في غرفة واحدة من غرف البرج، غرفة بنافذة واحدة صغيرة ومرتفعة، وباب واحد مُحكم الإغلاق! دخلت ماري الغرفة ومعها سلمى ونوره، ودخل خلفهن جمال الدين وفريقه، نظر إليهن جمال الدين بتمعن، من رأسهن لأسفل أقدامهن! ثم قال لهن: إن سمعت صوتًا من غرفتكن، سأقتلكن ثلاثتكن! إن علمت بأي محاولة هرب، سأقتلكن ثلاثتكن! وإن اعترضت أحداكن سأقتلكن ثلاثتكن! ثم خرج جمال الدين وفريقه من الغرفة ذاهبين لغرفة أخرى، نظرت ماري إلى زميلاتها في الغرفة سلمى ونوره وقالت لهن بصوتٍ منخفض: حسنًا، هل تعرف أحداكن ما الذي يحدث ولماذا نحن هُنا؟ همست نوره وعيناها ممتلئة بالدموع: لا، لا أعرف ولكنني خائفة. أما سلمى اقتربت من ماري ونوره وهمست لهن قائلة: ولا أنا ولكنني قد أعرف! وانحنت برأسها لتنظر داخل ملابسها، ثم أدخلت يدها اليمنى داخل صدرها لتستخرج مجموعة من الصور والأوراق! قالت لها نوره باستنكار ودهشة: ما هذا؟! أما ماري فهي أيضًا انحنت برأسها لتنظر داخل ملابسها، وأدخلت يدها لتستخرج هي أيضًا صورًا وأوراق! ردت نوره بغضب: لا أفهم ما الذي يحدث، أخبراني! قالت لها ماري: عندما كُنا نسير مع جمال الدين وفريقه داخل البرج ورأينا صورنا ومعلوماتنا، استطعت أنا وسلمى في لحظة غفلة منهم أن نأخذ بعض الصور والمعلومات لنحاول أن نفهم ما الذي يحدث، وبالتالي نستطيع الهروب! قالت سلمى: نعم صحيح.
ماري وسلمى ونوره، هل هُناك مخرج؟
حاوت ماري وسلمى ونوره في أثناء تواجدهن معن في الغرفة المُغلقة، حلَّ لغز الصور والمعلومات، لماذا قام جمال الدين بالبحث عن ماضي الفتيات ولماذا جمع صورهن وعرضها في جدران البرج، وماذا سيفعل بها؟ وكان جمال الدين يقوم بعمل زيارة مفاجئة إلى الغرف ويقوم بتفتيش الفتيات، مما يعني أن ماري وسلمى ونوره في خطر بسبب الصور والأوراق التي معهن، ولكنهن حريصات بأن يخبئنها بطريقة آمنه، ومما ساعدهم على الاستمرار في البحث والتحليل أن جمال الدين رغم تهديده وعنفه، إلا أنه ينقصه الذكاء! كان إذا دخل الغرفة وبدأ بالتفتيش، تخدعنه الفتيات ويقلن له بأنهن سمعن صوتًا بالخارج! فيصدقهن ويخرج مسرعًا للبحث عن الصوت!
استمر هذا الحال لعدة أيام، بدأت علامات التعب تظهر على الفتيات بسبب سوء التغذية، لأن جمال الدين لا يقدم لهن إلا الفُتات من الطعام، والقليل من الشراب، ليضمن استمرارية عيشهن، وفي نفس الوقت لا يستطعن أن يسألنه لماذا يفعل بهن ذلك! إلى أن جاء ذلك اليوم الذي دخل فيه جمال الدين في غرفة ماري وسلمى ونوره، كعادته ليفتشهن بشكل يومي مع فريقه، نظرت السيدة التي تعمل مع فريق جمال الدين إلى ماري، واقتربت منها، ثم وضعت في يدها مفتاح الغرفة! وأشارت بيدها اليُمنى على معصم يدها اليُسرى، في مكان موضع الساعة، ثم رفعت أصبعيها البنصر والسبابة، مع بعضهما كعلامة النصر! وخرجت مع جمال الدين وبقية الفريق! وأغلقوا الباب، نظرت ماري إلى سلمى ونوره ورفعت المفتاح أمام أعينهن وقالت موعدنا في الثانية صباحًا! ابتسمت سلمى، أما نوره نظرت لسلمى وقالت: موعد ماذا؟ ثم نظرت إلى ماري وقالت لها: من أين لك هذا المفتاح؟!
إرسال تعليق